دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا

ديوان أبو الطيب المتنبي

دَمعٌ جَرى فَقَضى في الرَبعِ ماوَجَبا

لِأَهلِهِ وَشَفى أَنّى وَلا كَرَبا

عُجنا فَأَذهَبَ ما أَبقى الفِراقُ لَنا

مِنَ العُقولِ وَما رَدَّ الَّذي ذَهَبا

سَقَيتُهُ عَبَراتٍ ظَنَّها مَطَراً

سَوائِلاً مِن جُفونٍ ظَنَّها سُحُبا

دارُ المُلِمِّ لَها طَيفٌ تَهَدَّدَني

لَيلاً فَما صَدَقَت عَيني وَلا كَذَبا

ناءَيتُهُ فَدَنا أَدنَيتُهُ فَنَأى

جَمَّشتُهُ فَنَبا قَبَّلتُهُ فَأَبى

هامَ الفُؤادُ بِأَعرابِيَّةٍ سَكَنَت

بَيتاً مِنَ القَلبِ لَم تَمدُد لَهُ طُنُبا

مَظلومَةُ القَدِّ في تَشبيهِهِ غُصُناً

مَظلومَةُ الريقِ في تَشبيهِهِ ضَرَبا

بَيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحتَ حُلَّتِها

وَعَزَّ ذَلِكَ مَطلوباً إِذا طُلِبا

كَأَنَّها الشَمسُ يُعيِي كَفَّ قابِضِهِ

شُعاعُها وَيَراهُ الطَرفُ مُقتَرِبا

مَرَّت بِنا بَينَ تِربَيها فَقُلتُ لَها

مِن أَينَ جانَسَ هَذا الشادِنُ العَرَبا

فَاِستَضحَكَت ثُمَّ قالَت كَالمُغيثِ يُرى

لَيثَ الشَرى وَهوَ مِن عِجلٍ إِذا اِنتَسَبا

جاءَت بِأَشجَعَ مَن يُسمى وَأَسمَحَ مَن

أَعطى وَأَبلَغَ مَن أَملى وَمَن كَتَبا

لَو حَلَّ خاطِرُهُ في مُقعَدٍ لَمَشى

أَو جاهِلٍ لَصَحا أَو أَخرَسٍ خَطَبا

إِذا بَدا حَجَبَت عَينَيكَ هَيبَتُهُ

وَلَيسَ يَحجُبُهُ سِترٌ إِذا اِحتَجَبا

بَياضُ وَجهٍ يُريكَ الشَمسَ حالِكَةً

وَدُرُّ لَفظٍ يُريكَ الدُرَّ مَخشَلَبا

وَسَيفُ عَزمٍ تَرُدُّ السَيفَ هِبَّتُهُ

رَطبَ الغِرارِ مِنَ التَأمورِ مُختَضِبا

عُمرُ العَدوِّ إِذا لاقاهُ في رَهَجٍ

أَقَلُّ مِن عُمرِ ما يَحوي إِذا وَهَبا

تَوَقَّهُ فَمَتى ما شِئتَ تَبلُوَهُ

فَكُن مُعادِيَهُ أَو كُن لَهُ نَشَبا

تَحلو مَذاقَتُهُ حَتّى إِذا غَضِبا

حالَت فَلَو قَطَرَت في الماءِ ما شُرِبا

وَتَغبِطُ الأَرضُ مِنها حَيثُ حَلَّ بِهِ

وَتَحسُدُ الخَيلُ مِنها أَيَّها رَكِبا

وَلا يَرُدُّ بِفيهِ كَفَّ سائِلِهِ

عَن نَفسِهِ وَيَرُدُّ الجَحفَلَ اللَجِبا

وَكُلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحِبَهُ

في مُلكِهِ اِفتَرَقا مِن قَبلِ يَصطَحِبا

مالٌ كَأَنَّ غُرابَ البَينِ يَرقُبُهُ

فَكُلَّما قيلَ هَذا مُجتَدٍ نَعَبا

بَحرٌ عَجائِبُهُ لَم تُبقِ في سَمَرٍ

وَلا عَجائِبِ بَحرٍ بَعدَها عَجَبا

لا يُقنِعُ اِبنَ عَليٍّ نَيلُ مَنزِلَةٍ

يَشكو مُحاوِلُها التَقصيرَ وَالتَعَبا

هَزَّ اللِواءَ بَنو عِجلٍ بِهِ فَغَدا

رَأساً لَهُم وَغَدا كُلٌّ لَهُم ذَنَبا

التارِكينَ مِنَ الأَشياءِ أَهوَنَها

وَالراكِبينَ مِنَ الأَشياءِ ما صَعُبا

مُبَرقِعي خَيلِهِم بِالبيضِ مُتَّخِذي

هامِ الكُماةِ عَلى أَرماحِهِم عَذَبا

إِنَّ المَنِيَّةَ لَو لاقَتهُمُ وَقَفَت

خَرقاءَ تَتَّهِمُ الإِقدامَ وَالهَرَبا

مَراتِبٌ صَعِدَت وَالفِكرُ يَتبَعُها

فَجازَ وَهوَ عَلى آثارِها الشُهُبا

مَحامِدٌ نَزَفَت شِعري لِيَملَأَها

فَآلَ ما اِمتَلَأَت مِنهُ وَلا نَضَبا

مَكارِمٌ لَكَ فُتَّ العالَمينَ بِها

مَن يَستَطيعُ لِأَمرٍ فائِتٍ طَلَبا

لَمّا أَقَمتَ بِإِنطاكِيَّةَ اِختَلَفَت

إِلَيَّ بِالخَبَرِ الرُكبانُ في حَلَبا

فَسِرتُ نَحوَكَ لا أَلوي عَلى أَحَدٍ

أَحُثُّ راحِلَتَيَّ الفَقرَ وَالأَدَبا

أَذاقَني زَمَني بَلوى شَرِقتُ بِها

لَو ذاقَها لَبَكى ما عاشَ وَاِنتَحَبا

وَإِن عَمَرتُ جَعَلتُ الحَربَ والِدَةً

وَالسَمهَرِيَّ أَخاً وَالمَشرَفِيَّ أَبا

بِكُلِّ أَشعَثَ يَلقى المَوتَ مُبتَسِماً

حَتّى كَأَنَّ لَهُ في قَتلِهِ أَرَبا

قُحٍّ يَكادُ صَهيلُ الخَيلِ يَقذِفُهُ

عَن سَرجِهِ مَرَحاً بِالغَزوِ أَو طَرَبا

فَالمَوتُ أَعذَرُ لي وَالصَبرُ أَجمَلُ بي

وَالبَرُّ أَوسَعُ وَالدُنيا لِمَن غَلَبا

رابط القصيدة

أبو الطيب المتنبي

أبو الطيّب المتنبي (303هـ - 354هـ) (915م - 965م) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي الكوفي المولد، نسب إلى قبيلة كندة نتيجة لولادته بحي تلك القبيلة في الكوفة لا لأنه منهم. عاش أفضل أيام حياته وأكثرها عطاء في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب وكان من أعظم شعراء العرب، وأكثرهم تمكناً من اللغة العربية وأعلمهم بقواعدها ومفرداتها، وله مكانة سامية لم تُتح مثلها لغيره من شعراء العرب. فيوصف بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، وظل شعره إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء. وهو شاعر حكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي. وتدور معظم قصائده حول مدح الملوك. ولقد قال الشعر صبياً، فنظم أول أشعاره وعمره 9 سنوات، واشتُهِرَ بحدة الذكاء واجتهاده وظهرت موهبته الشعرية مبكراً.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *