ما هاج شوقك من عهود رسوم

ديوان جرير

ما هاجَ شَوقَكَ مِن عُهودِ رُسومِ

بادَت مَعارِفُها بِذي القَيصومِ

هِجنَ الهَوى وَمَضى لِعَهدِكَ حِقبَةٌ

وَبَلينَ غَيرَ دَعائِمِ التَخيِيمِ

وَلَقَد نَراكِ وَأَنتِ جامِعَةُ الهَوى

إِذ عَهدُ أَهلِكِ كانَ غَيرَ ذَميمِ

فَسُقيتِ مِن سَبَلِ الغَوادي ديمَةً

أَو وَبلَ مُرتَجِسِ الرَبابِ هَزيمِ

قَد كِدتَ يَومَ قُشاوَتَينِ مِنَ الهَوى

تُبدي شَواكِلَ سِرِّكَ المَكتومِ

آلى أَميرُكَ لا يَرُدُّ تَحِيَّةً

ماذا بِمَن شَعَفَ الهَوى بِرَحيمِ

كُنّا نُواصِلُكُم بِحَبلِ مَوَدَّةٍ

فَلَقَد عَجِبتُ لِحَبلِنا المَصرومِ

وَلَقَد رَأَيتُ وَلَيسَ شَيءُ باقِياً

يَوماً ظَعائِنَ سَلوَةٍ وَنَعيمِ

فَإِذا احتَمَلنَ حَلَلنَ أَوسَعَ مَنزِلٍ

وَإِذا اِتَّصَلنَ دَعَونَ يالَ تَميمِ

وَإِذا وَعَدنَكَ نائِلاً أَخلَفنَهُ

وَإِذا طُلِبنَ لَوَينَ كُلَّ غَريمِ

فَاِعصي مَلامَ عَواذِلٍ يَنهَينَكُم

فَلَقَد عَصَيتُ إِلَيكَ كُلَّ حَميمِ

وَلَقَد تَوَكَّلَ بِالسُهادِ لِحُبِّكُم

عَينٌ تَبيتُ قَليلَةَ التَهويمِ

إِنَّ اِمرَأً مَنَعَ الزِيارَةَ مِنكُمُ

حَنَقاً لَعَمرُ أَبيهِ غَيرُ حَليمِ

يَرمينَ مِن خَلَلِ السُتورِ بِأَعيُنٍ

فيها السَقامُ وَبُرءُ كُلَّ سَقيمِ

يا مَسلَمَ المُتَضَيِّفونَ إِلَيكُمُ

أَهلَ الرَجاءِ طَلَبتُ وَالتَكريمِ

كَم قَد قَطَعتُ إِلَيكَ مِن دَيمومَةٍ

قَفرٍ وَغولِ صَحاصِحٍ وَحُزومِ

لا يَأمَنونَ عَلى الأَدِلَّةِ هَولَها

إِلّا بِأَشجَعَ صادِقِ التَصميمِ

كَيفَ الحَديثُ إِلى بَني داوِيَّةٍ

مُتَعَصِّبينَ لَدى خَوامِسَ هيمِ

أَبصَرتِ أَنَّ وُجوهَهُم قَد شَفَّها

ما لا يَشُفُّكِ مِن سُرىً وَسَمومِ

وَيَقولُ مَن وَرَدَت عَلَيهِ رِكابُنا

أَمِنَ الكُحَيلِ بِهِنَّ لَونُ عَصيمِ

تَشكو جَوالِبَ دامِياتٍ بِالكُلى

أَو بِالصَفاحِ وَغارِبٍ مَكلومِ

حَتّى استَرَحنَ إِلَيكَ مِن طولِ السُرى

وَمِنَ الحَفا وَسَرائِحِ التَخديمِ

نامَ الخَلِيُّ وَما تَنامُ هُمومي

وَكَأَنَّ لَيلِيَ باتَ لَيلَ سَليمِ

إِنَّ الهُمومَ عَلَيكَ داءٌ داخِلٌ

حَتّى تُفَرِّجَ شَكَّها بِصَريمِ

ما أَنصَفَ المُتَوَدِّدونَ إِلى الرَدى

وَحَمَيتُ كُلَّ حِماً لَهُم وَحَريمِ

لَو يَقدِرونَ بِغَيرِ ما أَبلَيتُهُم

لَسُقيتُ كَأسَ مُقَشَّبٍ مَسمومِ

وَوَجَدتُ مَسلَمَةَ الكَريمِ نِجارُهُ

مِثلَ الهِلالِ أَغَرَّ غَيرَ بَهيمِ

أَنتَ المُؤَمَّلُ وَالمُرَجّى فَضلُهُ

يا اِبنَ الخَليفَةِ وَاِبنَ أُمِّ حَكيمِ

لَلبَدرُ وَاِبنُ غَمامَةٍ رِبعِيَّةٍ

أَصبَحتَ أَكرَمَ ظاعِنٍ وَمُقيمِ

وَنَباتُ عيصِكُمُ لَهُ طيبُ الثَرى

وَقَديمُ عيصِكَ كانَ خَيرَ قَديمِ

لَمّا نَزَلتُ بِكُم عَرَفتُم حاجَتي

فَجَبَرتَ عَظمي وَاِستَجَدَّ أَديمي

وَلَقَد حَبَوني بِالجِيادِ وَأَخدَموا

خَدَماً إِلى مِئَةٍ بَهازِرَ كومِ

حَيَّيتُ وَجهَكَ بِالسَلامِ تَحِيَّةً

وَعَرَفتُ ضَربَ كَريمَةٍ لِكَريمِ

وَاللَهُ فَضَّلَ والِدَيكَ فَأَنجَبا

وَعَدَدتَ خَيرَ خُؤولَةٍ وَعُمومِ

أَرضَيتَنا وَخُلِقتَ نوراً عالِياً

بِالسَعدِ بَينَ أَهِلَّةٍ وَنُجومِ

أَنتَ اِبنُ مُعتَلَجِ الأَباطِحِ فَاِفتَخِر

مِن عَبدِ شَمسَ بِذِروَةٍ وَصَميمِ

وَلَقَد بَنى لَكَ في المَكارِمِ وَالعُلى

آلُ المُغيرَةِ مِن بَني مَخزومِ

وَبِئالِ مُرَّةَ رَهطِ سُعدى فَاِفتَخِر

مِنهُم بِمَكرُمَةٍ وَفَضلِ حُلومِ

المانِعينَ إِذا النِساءُ تَبَذَّلَت

وَالجاسِرينَ بِمُضلِعِ المَغرومِ

ما كانَ في أَحَدٍ لَهُم مُستَنكِراً

فَكُّ العُناةِ وَحَملُ كُلَّ عَظيمِ

وَبَنى لِمَسلَمَةَ الخَلائِفُ في العُلى

شَرَفاً أَقامَ بِمَنزِلٍ مَعلومِ

رابط القصيدة

جرير

جرير بن عطية الكلبي اليربوعي التميمي (33 هـ - 110 هـ/ 653 - 728 م) شاعرُ من بني كليب بن يربوع من قبيلة بني تميم وهي قبيلة في نجد. من أشهر شعراء العرب في فن الهجاء وكان بارعًا في المدح أيضًا. كان جرير أشعر أهل عصره، ولد ومات في نجد، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل. كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً. بدأ حياته الشعرية بنقائض ضد شعراء محليين ثم تحول إلى الفرزدق "ولج الهجاء بينهما نحوا من أربعين سنة" وإن شمل بهجائه أغلب شعراء زمانه مدح بني أمية ولازم الحجاج زهاء العشرين سنة.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *