أعادك طيفها وبما يعود

ديوان بشار بن برد

أَعادَكَ طَيفُها وَبِما يَعودُ

وَحُبُّ الغانِياتِ جَوىً يَؤودُ

ذَكَرتُ القاطِعاتِ عَلى بِلادٍ

فَلِلعَينَينِ مِن سَبَلٍ فَريدُ

غَداةَ يَروقُهُ كَفَلٌ نَبيلٌ

وَعَينٌ في النِقابِ لَها ضَيودُ

وَيَومَ الحِنوِ حِنوِ بَني زِيادٍ

قَفا نَبَأٌ وَأَعيُنُهُم شُهودُ

يُحَيّي بَعضُنا بَعضاً جِهاراً

كَأَنّا لا نُكادُ وَلا نَكيدُ

وَمِن بالي وَإِن رَغِموا كَعابٌ

غَدَت في الخَزِّ أَو كادَت تَميدُ

مُشَهَّرَةُ الجَمالِ بِعارِضَيها

إِذا سَفَرَت لَها نَظَرٌ جَديدُ

مِنَ الخَفِراتِ لَم تَطلُع بِفُحشٍ

عَلى جارٍ وَلا بَكَرَت تَرودُ

عَفا أَثَرٌ لِعَبدَةَ كانَ عَفّاً

وَأَبقى الحُزنُ ما ضَرَبَ الوَريدُ

وَقَد طَفِقَ الوَليدُ يَلومُ فيها

وَأَيَّ الدَهرِ ساعَفَكَ الوَليدُ

فَمَهلاً لا أَبا لَكَ بَعضَ لَومي

ضَجِجتَ مِنَ الهَوى وَأَنا العَميدُ

لَقَد تَرَكَ الفُؤادُ لِتِلكَ وُدّاً

وَسُؤلاً لا يَشيدُ بِهِ مُشيدُ

لَيالِيَ نَلتَقي بِحِمادِ حَوضى

عَلى لَطَفٍ يُطالِعُهُ الحَسودُ

فَأَصبَحَ عَيشُنا فيها تَوَلّى

وَهَل لِلعَيشِ في الدُنيا خُلودُ

وَلَمّا قُرِّبَت لِبُكورِ ثَنيٍ

جِمالُ الحَيِّ فَاِنقَعَرَ العَمودُ

تَصَدَّت تَستَزيدُكَ في هَواها

عُبَيدَةُ بَعدَما جَهِدَ المَزيدُ

فَيا كَبِدا مِنَ الطَرَبِ المُعَنّى

إِلَيها إِنَّ أَهوَنَهُ شَديدُ

فَقَدتُ الحُبَّ مِن شَرعٍ لِصادٍ

فَبِئسَ الوِردُ يَألَفُهُ الوَرودُ

رَأَيتُ الدَهرَ يَشعَبُ كُلَّ إِلفٍ

وَلا يَبقى لِوَحدَتِهِ الوَحيدُ

قَريبٌ ما مَلَكتَ وَإِن تَراخى

وَبَيتُ الجارِ مَطلَبُهُ بَعيدُ

بِجَدِّكَ يا اِبنَ قَزعَةَ نِلتَ مالاً

أَلا إنّ اللِئامَ لَهُم جُدودُ

وَلَو تُعطى بِسَعيِكَ مُتَّ جوعاً

وَلَم تَظفَر يَداكَ بِما تُريدُ

أَمِن خَوفِ الزِيادَةِ في الهَدايا

أَقَمتَ دَجاجَةً فيمَن يَزيدُ

كَسَوتُكَ حُلَّةً مِمّا أُسَدّي

بُروداً لا يُفارِقُها بُرودُ

مَلابِسَ لا تَرِثُّ عَلى اللَيالي

وَلا تَبلى وَإِن بَلِيَت جُلودُ

جَلَستُ أَحوكُها وَاللَيلُ داجٍ

مُحَبَّرَةً تُبيدُ وَلا تَبيدُ

يُوَرِّثُها بَنوكَ بَني بَنيهِم

إِذا هَلِكوا وَمَنشَرُها جَديدُ

كَذاكَ الدَهرُ يُبلي كُلَّ شَيءٍ

وَلا يَفنى عَلى الدَهرِ القَصيدُ

فَهَل مِن عارِفٍ شُرباً لِصادٍ

يَنالُ بِجودِهِ ما لا تَجودُ

صَبَبتُ عَلى اِبنِ قَزعَةَ مِن عَذابي

أَذاةً لا يُسَكِّنُها البَرودُ

عَلى الضُعَفاءِ لَيثٌ حينَ يَسطو

وَتوعِدُهُ فَيُسهِرُهُ الوَعيدُ

مولَينا عَلى الأُمّاتِ جَلدٌ

عَلى وَجَلٍ فَدِرهَمُهُ قَيودُ

يَخالُ البُخلَ مُفتَرَضاً عَلَيهِ

فَيَجمَدُ مِثلَ ما جَمَدَ الحَديدُ

فَأَفرَخَ رَوعُهُ لا أَجتَديهِ

وَلَكِن سَوفَ يَبلُغُهُ النَشيدُ

لَهُ وَجهٌ يَخِفُّ عَلى المَوالي

وَكَفٌّ لا يُؤَمِّلُها الوُفودُ

يَقومُ بِهِ القَليلُ إِلى المَخازي

وَيَخزِلُهُ عَنِ المَجدِ القُعودُ

غَبِيُّ العَينِ عَن طَلَبِ المَعالي

وَفي السَوآتِ شَيطانٌ مَريدُ

أَبا يَحيى عَلامَ تَكونُ وَغداً

كَبِرتَ وَفيكَ عَن كَرَمٍ صُدودُ

فَإِن تَكُ ناقِصاً مِن كُلِّ خَيرٍ

فَما لَكَ في مَساءَتِنا تَزيدُ

سَتَهجُرُكَ الكِرامُ فَبِن ذَميماً

فَإِنَّكَ لِلِّئامِ أَخٌ وَدودُ

رابط القصيدة

بشار بن برد

بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ - 168 هـ)، أبو معاذ، شاعر مطبوع إمام الشعراء المولدين. ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى وكان من فحولة الشعراء وسابقيهم المجودين. كان غزير الشعر، سمح القريحة، كثير الافتنان، قليل التكلف، ولم يكن في الشعراء المولدين أطبع منه ولا أصوب بديعا. قال أيمة الأدب: " إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده."وقال الجاحظ: "وليس في الأرض مولد قروي يعد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه."اتهم في آخر حياته بالزندقة. فضرب بالسياط حتى مات.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *