منابت العشب لا حام ولا راع

ديوان الشريف الرضي

مَنابِتُ العُشبِ لا حامٍ وَلا راعِ


مَضى الرَدى بِطَويلِ الرُمحِ وَالباعِ


القائِدِ الخَيلِ يُرعيها شَكائِمَها


وَالمُطعِمِ البُزلِ لِلديمومَةِ القاعِ


مَن يَستَفِزُّ سُيوفاً مِن مَغامِدِها


وَمَن يُجَلُّلُ نوقاً بَينَ أَنساعِ


يَسقي أَسِنَّتَهُ حَتّى تَقيءَ دَماً


وَيَهدِمُ العيسَ مِن شَدٍّ وَإِبضاعِ


ما باتَ إِلّا عَلى هَمٍّ وَلا اِغتَمَضَت


عَيناهُ إِلّا عَلى عَزمٍ وَإِزماعِ


خَطيبُ مَجمَعَةٍ تَغلي شَقاشِقُهُ


إِذا رَموهُ بِأَبصارٍ وَأَسماعِ


لَمّا أَتاني نَعِيٌّ مِن بِلادِكُمُ


عَضَضتُ كَفِّيَ مِن غَيظٍ عَلى الناعي


أُبدي التَصامُمَ عَنُه حينَ أَسمَعُهُ


عَمداً وَقَد أَبلَغَ الناعونَ أَسماعي


عَمَّت عُقيلاً وَإِن خَصَّت بَني شَبثٍ


بِزلاءُ تَملَأُ أُذنَ السامِعِ الواعي


لَيسَ الشُجاعُ الَّذي مِن دونِ رُؤيَتِهِ


بابٌ يُلاحِكُ مِصراعاً بِمِصراعِ


وَلا الَّذي إِن مَضى أَبقى لَوارِثِهِ


سَوائِماً بَينَ أَضواجٍ وَأَجزاعِ


لَكِنَّهُ مَن إِذا أَودى فَليسَ لَهُ


إِلّا عَقائِلُ أَرماحٍ وَأَدراعِ


يَعتَسُّهُ الذِؤبُ في الظَلماءِ مُرتَفَقاً


عَلى رَحايلَ مُلقاةٍ وَأَقطاعِ


يُذَوِّقُ العَينَ طَعمَ النَومِ مَضمَضَةً


إِذا الجَبانُ مَلا عَيناً بِتَهجاعِ


أُشَيعِثُ الرَأسِ لا يَجري الدَهانُ بِهِ


وَإِن فُلي فَبِماضي الغَربِ قَطّاعِ


لا يُخلِفُ المالَ إِلّا رَيثَ يُتلِفُهُ


وَلا يُذَمُّ عَلى ما رَوَّحَ الراعي


كَم فَجَّعَتني اللَيالي قَبلَهُ بِفَتىً


مُشَمَّرٍ بِغُروبِ المَجدِ نَزّاعِ


يَمُرُّ صَوتي فَلا يُلوي بِجانِبِهِ


وَكانَ يَكفيهِ إيمائي وَإِلماعي


مَن كانَ أُنسِيَ أَضحى وَحشَتي وَغَدا


مَن كانَ بُرئِيَ أَسباباً لِأَوجاعِ


أَنزَلتُهُ حَيثُ لا يَظما إِلى نَهَلٍ


وَلا يُبالي بِإِخصابٍ وَإِمراعِ


وَاِرتَعتُ حَتّى إِذا لَم يَبقَ لي طَمَعٌ


أَمَلتُ نَهجَ دُموعي غَيرَ مُرتاعِ


في كُلِّ يَومٍ أَكُرُّ الطَردَ مُلتَفِتاً


وَراءَ نَجمٍ مِنَ الأَقرانِ مُنصاعِ


أُمانِعُ الدَمعَ عَيناً جِدُّ دامِعَةٍ


وَأُلزِمُ اليَدَ قَلباً جِدُّ مُلتاعِ


هَل دَمعَةٌ حَذَفَتها العَينُ شافِيَةٌ


داءً حَنَوتُ عَليهِ بَينَ أَضلاعي


أَم هَل يَرُدُّ زَمانٌ في ثَنِيَّتِهِ


لَنا أَوائِلَ سُلّافٍ وَطُلّاعِ


يَحدو عَلى العُنفِ أُخرانا لِيَلحَقَنا


عَجلانَ أَبرَكَ أَولانا بِجَعجاعِ


جَرَّ الزَمانُ عَلى قَومي سَنابِكَهُ


وَأَوقَعَ المَوتُ فيهِم أَيَّ إيقاعِ


وَاِستَطعَمَتني المَنايا مَن أَضَنُّ بِهِ


فَكانَ بِالرَغمِ إِطعامي وَإِشباعي


قَلِّد جَناجِنَها الأَنساعَ وَاِرمِ بِها


مَناكِبَ اللَيلِ نَدباً غَيرَ مِجزاعِ


فَلا نَجاءٌ مِنَ الأَقدارِ طالِبَةً


فَاِطلُب عُلالَةَ آمالٍ وَأَطماعِ


بَينا يَسيرُ الفَتى حَتّى دَعَونَ بِهِ


فَرَدَّ عارِضَهُ لَيّاً إِلى الداعي


يَسعى مُجِدّاً فَإِن أَلوى بِهِ قَدَرٌ


ضَلَّ الدَليلُ وَزَلَّت أَخمَصُ الساعي


يا مُصعَباً بَخَسَت أَيدي المَنونِ بِهِ


فَقيدَ قَودَ ذَلولِ الظَهرِ مِطواعِ


كَم فُرجَةٍ لِلأَعادي بِتَّ تَكلَؤُها


لَولاكَ فاهَت بِذي وَدقَينِ مِنباعِ


أَلحَمتَها بِصدورِ الخَيلِ مُعلِمَةً


إِلى الوَغى وَطِوالٍ ذاتِ زَعزاعِ


أَرَشَّ فَوقَكَ نَجديٌّ يَمُدُّ لَهُ


نيلُ السَماءِ بِآذِيٍّ وَدُفّاعِ


يَبدو مَعَ اللَيلِ رَجّافاً تُكَركِرُهُ


ريحُ النُعامى بِواني الخَطوِ مِظلاعِ


وَكُلُّ هافِتَةِ الأَعناقِ يَنحَرُها


لَمعُ البُروقِ عَلى ميثٍ وَأَجراعِ


بَرقٌ كَخَفقِ جَناحِ المَضرَحِيَّ إِذا


جَلّى الطَرائِدَ مِن وَمضٍ وَتِلماعِ


تَجتَرُّ وَدقاً وَتَرغو مِن جَوانِبِها


رَعداً إِذا قيلَ قَد هَمَّت بِإِقلاعِ


أَستَودَعُ الأَرضَ خُلّاني لِتَحفَظَهُم


لَقَد وَثِقتُ إِلى هَوجاءَ مِضياعِ

رابط القصيدة

الشريف الرضي

أبو الحسن، السيد محمد بن الحسين بن موسى، ويلقب بالشريف الرضي (359 هـ - 406 هـ / 969 - 1015م) هو الرضي العلوي الحسيني الموسوي. شاعر وفقيه ولد في بغداد وتوفي فيها. عمل نقيباً للطالبيين حتى وفاته.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *