حاجة ذا الحيران أن ترشده

ديوان البحتري

حاجَةُ ذا الحَيرانِ أَن تُرشِدَه

أَو تَترُكَ اللَومَ الَّذي لَدَّدَه

يَمضي أَخو الحُبِّ عَلى نَهجِهِ

فَنَّدَهُ في الحُبِّ مَن فَنَّدَه

وَيُعرَفُ المَرذولُ مِن غَيرِهِ

بِمَن لَحى المَبتولَ أَو أَسعَدَه

لا أَدَعُ الأُلّافَ أَشتاقُهُم

وَاللَهوَ أَن أَتبَعَ فيهِم دَدَه

وَلا التَصابي أَرتَدي بُردَهُ

وَمَشهَدَ اللَذّاتِ أَن أَشهَدَه

وَالدَهرُ لَونانِ فَهَل مُخلِقٌ

أَبيَضَهُ بَاللُبسِ أَم أَسوَدَه

يا هَل تُرى مُدنِيَةٌ لِلهَوى

بِمَنبِجٍ أَيامُهُ المُبعَدَة

نَشَدتُ هَذا الدَهرَ لَمّا ثَنى

يُصلِحُ مِن شَأني الَّذي أَفسَدَه

مَذَمَّةٌ مِنهُ تَغَمَّدتُها

بِالصَبرِ حَتّى خُيِّلَت مَحمَدَه

فَرَّقَ بَينَ الناسِ في نَجرِهِم

ما يُعظِمُ العَبدُ لَهُ سَيِّدَه

وَأَنجُمُ الأُفقِ نِظامٌ ذَلا

ما خالَفَت أَنحُسُهُ أَسعَدَه

لا أَحفِلُ الأَشباحَ حَتّى أَرى

بَيانَ ما تَأتي بِهِ الأَفئِدَه

وَالبُخلُ غُلٌّ آسِرٌ بَعضُهُم

يَقصُرُ عَن نَيلِ المَساعي يَدَه

وَمُغرَمٌ بِالمَنعِ أُغرِمتُ بِال

إِعراضِ عَن أَبوابِهِ الموصَدَه

أَصونُ نَفساً لا أَرى بَذلَها

حَظّاً وَأَخلاقاً سَمَت مُصعِدَه

ما اِستَنَّ عَبدُ اللَهِ أُكرومَةً

إِلّا وَقَد نازَعَها مَخلَدَه

أُنظُر إِلى كُلِّ الَّذي جاءَهُ

فَإِنَّهُ بَعضُ الَّذي عَوَّدَه

سَوابِقٌ مِن شَرَفٍ أَوَّلٍ

أَكَّدَهُ الأَعشى بِما أَكَّدَه

وَالمَجدُ قَد يَأبِقُ مِن أَهلِهِ

لَولا عُرى الشِعرِ الَّذي قَيَّدَه

إِذا تَأَمَّلتَ فَتى مَذحِجٍ

مَلَأتَ عَيناً رَمَقَت سُؤدَدَه

واحِدُ دَهرٍ إِن بَدا نائِلاً

ثَنّاهُ في الأَقوامِ أَو رَدَّدَه

مَتى اِختَبَرناهُ حَمِدنا وَقَد

يُخرِجُ ما في السَيفِ مَن جَرَّدَه

تَرى بِهِ الحُسّادُ مِن سَروِهِ

ناراً عَلى أَكبادِهِم موقَدَه

إِنَّ القَناني وَإِنَّ النَدى

تِربا اِصطِحابٍ وَأُخَيّا لِدَه

تَعاقَدا حِلفاً عَلى وَفرِ ذي

وَفرٍ إِذا جَمَّعَهُ بَدَّدَه

فَالفِعلُ فَوتَ القَولِ إِن فاضَ في

عارِفَةٍ وَالجودُ فَوتَ الجِدَه

أَنجَحَ ما قَدَّمَ مِن مَوعِدِ

مُشَيَّعٌ يُصدِرُ ما أَورَدَه

إِذا اِبتَلى يَومَ جَداهُ اِمرُؤٌ

أَغناهُ عَن أَن يَتَرَجّى غَدَه

طَولٌ إِذا لَم يَستَطِع شُكرُهُ

هَمَّ لَئيمُ القَومِ أَن يَجحَدَه

يُشرِقُ بِشراً وَهوَ في مَغرَمٍ

لَو مُنِيَ البَدرُ بِهِ رَبَّدَه

ضَوءٌ لَو اَنَّ الفَلَكَ اِزدادَ في

أَنجُمِهِ مِنهُ لَما أَنفَدَه

بَقيتَ مَرغوباً إِلَيهِ وَإِن

جِئتَ بِبِنتِ الجَبَلِ المُؤيِدَه

ما كُنتُ أَخشاكَ عَلى مِثلِها

أَن تُسقِطَ الرِزقَ وَتَنسى العِدَه

إِن كانَ عَن وَهمٍ رَضينا الَّذي

تَسخَطُهُ أَو كانَ عَن مَوجِدِه

رابط القصيدة

البحتري

البحتري (205 هجري - 284 هجري): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي. البحتري بدوي النزعة في شعره، ولم يتأثر إلا بالصبغة الخارجية من الحضارة الجديدة. وقد أكثر من تقليد المعاني القديمة لفظيا مع التجديد في المعاني والدلالات، وعرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر وبنهج القصيدة العربية الأصيلة ويتميز شعره بجمالية اللفظ وحسن اختياره والتصرف الحسن في اختيار بحوره وقوافيه وشدة سبكه ولطافته وخياله المبدع.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *