قسما بالليل وما وسقا

ديوان لسان الدين بن الخطيب
ديوان لسان الدين بن الخطيب

قَسماً باللّيلِ وما وسَقا

وإيَاةِ البدْرِ إذا اتّسَقا

والنّجْمِ الثّاقِبِ حينَ هَوى

رجْماً والصُبْحِ إذا انْفَلَقا

وبنورِ الطُّوْرِ وقدْ أضْحى

مُوسَى لجلالَتِهِ صَعِقا

لَمَخائِلُ مُلْكِكَ تُخْبِرُني

أنّ التّأبيدَ لَها خُلِقا

أحْيَيْتَ الدّينَ وقدْ أوْدَى

وأعَدْتَ المُلْكَ وقد خلِقا

يا ناصِرَ دينَ اللهِ ومَنْ

بعِنايَتِهِ الوُثْقى وَثِقا

مهّدْتَ لمُلْكِكَ مُصْطَبِحاً

في ظِلِّ الأنْسِ ومُغْتَبِقا

ونظَمْتَ المَجْدَ فوافِرُهُ

غنّاكَ السّعْدُ بهِ وسَقَى

طابَتْ بوجودِكَ أنْدَلُسٌ

حسُنَتْ بجوارِكَ مُرتَفَقا

إنْ طافَ بها شيْطانُ عِدىً

يبْغي بسَمائِكَ مُسْتَرَقا

أو جاسَ خِلالَ منازِلها

قذَفَتْهُ سُعودُكَ فاحْتَرَقا

اللّهُ تُخَيّرَ يُوسُفَ منْ

غُرَرِ الأمْلاكِ هُدىً وتُقَى

كهْفٌ لَجأ الإسْلامُ لهُ

فعَفا وحَمَى وكَفَى ووَقَى

وأعَزَّ الرّشْدُ بهِ فِرَقاً

وأذَلَّ الغَيُّ بهِ فِرَقا

وافَى وصَباحُ المُلْكِ دُجَى

فانْجابَ الغاسِقُ وائْتَلَقا

والأرضُ تَضيقُ بساكِنِها

وتَغَصُّ بريقَتِها شرَقا

فاهْتَزّتْ حينَ أتى ورَبَتْ

وأسالَ بِها ماءً غدَقا

أوْ تَدارَكَها بعَزائِمِهِ

ما مِثْلُ صِفاحِ الهِنْدِ رُقَى

وأقامَ الحَقَّ وجاءَ بهِ

فإذا بالباطِلِ قدْ زهَقا

يُجْري في حُكْمِ راحَتِهِ

أحْكامَ سَعاداتٍ وشَقا

لوْ عادَ البَدْرُ بغُرّتِه

لمْ يخْشَ الخَسْفَ ولا محَقا

أو أمّ اليَمَّ بعَزْمَتِهِ

يوْماً لتصَدّعَ وانْفَرَقا

أو لاذَ الوحْشُ بجانِبِهِ

لمْ يرْهَبْ منْ عادٍ طرَقا

مهْلاً فمَواطِرُ كفِّكَ ما

أبْقَتْ مُحْتاجاً مُرْتَزِقا

ولقدْ أمَرَتْ حتّى غمَرَتْ

وتخوّفَ سائِلُكَ الغَرَقا

أبَني الأنْصارِ لكُمْ شرَفٌ

حُكْمُ القُرْآنِ بهِ نطَقا

آووْا نصَروا أوذُوا صَبَروا

كانوا لرَسولِ اللّهِ وِقا

حَفِظوهُ ببَذْلِ النّفْسِ كَما

حَفِظوا بجُفونِهِمُ الحدَقا

وافَوا للّهِ ما عاهَدُو

هُ ما كَذبُوهُ إذْ صدَقا

ورضَوْا بالصّبْرِ فما وهَنوا

جزَعاً في الدّينِ ولا قَلَقا

أمُجاهِدَ دِينِ اللهِ لقدْ

أمّنْتَ بصارِمِكَ الطُّرُقا

وخَليفَتَهُ في أمّةِ مَنْ

بالوَحْيِ أتى وبِهِ فرَقا

لهَجَرْتَ النّوْمَ لِطاعَتِهِ

بالغَزْوِ وواصَلْتَ الأرَقا

هَذا النّيْروزُ أتاكَ بِما

تهْواهُ وبالبُشْرَى سَبَقا

فسَتَمْلِكُ أرْضَ الرّومِ فَما

أبْقَيْتَ بِها إلاّ رمَقا

كفَروا باللّهِ فأرْهَقَهُم

وملَكْتَ فزادَهُمُ رَهَقا

فالرُّمْحُ يُنَضْنِضُ منْ شَرَهٍ

لهُمُ والصّارِمُ قدْ دَلَقا

والخيْلُ تهُدّ مرابِطها

وتَقُدّ أعنّتَها حنَقا

شُهْبٌ كالشّهْبِ إذا قُذِفَتْ

دُهْمٌ كاللّيلِ إذا غسَقا

صُفْرٌ كالشّمْسِ إذا جنَحَتْ

حُمْرٌ قد أُلْبِسَتِ الشّفَقا

إمّا صهَلَتْ في أرْضِ عِدىً

فغُرابُ البَيْنِ بهِمْ نَعَقا

ما أرْعَدَ ركْضُ سَنابِكِها

إلاّ والصّارِمُ قدْ فَرِقا

يعْتَدُّ بِها مَلْكٌ شهْمٌ

لوْ رامَ بِها الشّعْرَى لحِقا

أو عارَضَها بالبَرْقِ كَبا

أوْ أوْرَدَ عيْنَ الشّمْسِ سَقَى

لوْلا كلِماتٌ قد سبَقَتْ

بالسِّلْمِ وعَهْدٌ قد سبَقا

لتَرَكْت ديارَهُمُ قَفْراً

للهامِ وسلْمَهُمُ نفَقا

وجَعَلْتَ مِياهَهُمُ غوْراً

وترَكْتَ صَعيدَهُمُ زلَقا

يا حِزْبَ اللّهِ وناصِرَهُ

بالحقِّ ومُدْرِكَ ما سَحَقا

أنتَ المذْخورُ ليَوْمِهمُ

أنتَ المِفْتاحُ لِما غُلِقا

وافَيْتُ إليْكَ بِها راكِضاً

ولغَمْرِ نوالِكَ مُسْتَبِقا

فسَبَكْتُ التِّبرَ لَها لُجُماً

وجعَلْتُ أعنّتَها سَرَقا

فأنِلْ واحْمِلْ وأعِدْ وأبِدْ

وأنْعَمْ في ظلِّ حِمىً وبَقا

ما لاحَ النّورُ بمَشْرِقِه

أو هزّتْ ريحُ غُصْنٍ نَقا

رابط القصيدة

لسان الدين بن الخطيب

لسان الدين بن الخطيب 713 - 776 هـ / 1313 - 1374 م محمد بن عبدالله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله الشهير بلسان الدين بن الخطيب. كان علامة أندلسيا فكان شاعرا وكاتبا وفقيها مالكيا ومؤرخا وفيلسوف وطبيبا وسياسيا من الأندلس درس الأدب والطب والفلسفة في جامعة القرويين بمدينة فاس. يشتهر بتأليف قصيدة جادك الغيث وغيرها من القصائد والمؤلفات.

هل وجدت خطأ في القصيدة، أرسل لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *